المقداد السيوري
467
اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية
« الشيطان » وهو يحاول إثبات أنّ الدين الزردشتي دين التوحيد ، ويزعم أنّ بتغيير العبارة يتغيّر الواقع ، تارة يقول : صرّح زردشت بأنّه ليس للشرّ إله ، بل الذي يأمر بالشرّ هو « انغرامى نيوش » أي الشيطان ، وأخرى يقول : قال زردشت بأصلين كونيين : أصل الخير وأصل الشر ، ولكنه لم يقل بإلهين متوازيين ، وثالثة يقول : ما هي حقيقة الثنوية عند زردشت ؟ ليس إلّا القول بأنّه يوجد في الكون أصلين : أصل للخير وأصل للشرّ ، وأنّ الذي يجلب الشرّ هو « انغرامى نيوش » « أهريمن » وهو الشيطان في لغته « 1 » . وقد عرفت أنّه ليس لفظ الشيطان بمرادف للفظ « أهريمن » وقوله : « بل الذي يأمر بالشرّ » وقوله : « إنّ زردشت قال بأصلين كونيين » وكذا قوله : « وإنّ الذي يجلب الشرّ هو . . . » فما معنى : إنّ الذي يجلب الشرّ هو الشيطان ؟ فهل الشيطان يجلب الشرّ ؟ ومن أين يجلبه ، أو يصدر الشرّ منه ؟ وما معنى أنّ الذي يأمر بالشرّ هو أهريمن ؟ وعلى هذا فمن هو مصدر الشرّ ؟ وعلى هذه التعبيرات هل وجود الشرور في العالم مخلوق للّه الواحد الذي هو الخير المحض أو مخلوق لغيره ، فإن كان الأوّل فيعود المحذور وهو صدور الشرّ عن الخير المحض ، وإن كان الثاني فهو القول بخالق للشرور غير اللّه تعالى ، وهذا هو الشرك الجليّ ، فأين التوحيد الذي يزعم إثباته في الدين الزردشتي ؟ ومن العجب قوله - بعد أن زعم أنّ « أهريمن » يرادف الشيطان في المعنى - : وهذه الثنوية لا يخلو منها دين وإن تفاوتت درجات الأديان فيها ، فاليهودية والنصرانية والإسلام كلّ من هذه الأديان الثلاثة يقول بوجود الشيطان ! ! فأنت أيّها القارئ الكريم بعد ما عرفت معنى الشيطان في الإسلام على ما بيّنه القرآن الكريم ، تعرف ما في هذا الادّعاء من البساطة وأنّه قول سطحي غير عميق ، وغفلة عن معنى الشيطان وعمله في نظر الإسلام ، وأنّه إنّما أعطاه اللّه تعالى التسلّط له على الإغواء ولا أثر له في خلق الشرّ أصلا ، وفي نظر الإسلام ليس في العالم موجودات منقسمة إلى الخير والشرّ ، بل كلّ الموجودات خير لا شرّ فيها ، والشرور
--> ( 1 ) شخصية ذي القرنين ، ص 65 - 67 ، منشورات دار البصري ، طبع مطبعة أسعد .